بقلم/ د. وليد الجندي
بمجرد أن يلامس سنُّ القلم سطح الورقة، يصمت العالم الخارجي بضجيجه وصراعاته ليعلن عن بدء رحلة من نوع خاص؛ رحلةٌ قوامها يقينٌ لا يتزعزع بأن اليد لا تخطئ طريقها أبداً. فبينما يتردد العقل وتتوجس النفس، تظل اليد -حين تتحرر- المترجم الأصدق لكل ما يسكن أعماقنا من أسرار.

إن دمج عالم كارل يونغ المليء بالرموز مع تقنيات بيسكاريف المدهشة، يعلمنا حقيقة جوهرية وهى ان الورقة هي المختبر، واليد هي الكيميائي.
عندما نرسم، نحن لا نبحث عن لوحة جميلة لنعلقها على الجدران ولكن ما نفعله في الواقع نطبخ مشاعرنا، فاليد هنا تعمل كالكيميائي القديم الذي يحول الرصاص إلى ذهب؛ فهي تأخذ القلق، التوتر، والارتباك، وبحركة انسيابية على الورق، تقوم بتحويلها إلى طاقة إبداعية ومعانٍ جديدة.



ومع كل خطٍ ترسمه، أنت بصدد تشكيل نظامٍ عصبي جديد في أعماقك؛ نظام يتسم بالمرونة والاتساع، ليمنحك رئةً ثالثة تتنفس بها وسط اختناق ضغوط الحياة. إن الرسم هنا يتجاوز كونه هواية ليصبح عملية ترميم شاملة للذات؛ فنحن مع كل انحناءة ريشة أو مسار قلم، نمد خيوطاً خفية بين خلايانا، نصالح بها أجزاءنا المنكسرة، ونُعبّد مساراتٍ أرحب للفهم والاستيعاب. إنها لغةٌ تتجاوز حدود الكلمات الجامدة، لغةٌ تفهمها الروحُ وتعتنقها قبل أن يدركها العقل.
ترك لنا يونغ حكمة تقول
الرؤية ستصبح واضحة فقط عندما تنظر داخل قلبك. لكننا أحياناً ننظر للداخل فنجد زحاماً من المشاعر لا نعرف كيف نصفه.

وهنا يتجلى دور الرسم العصبي كقوة كاشفة، حيث تبدأ يدك بترجمة خفقات القلب إلى خطوط سرمدية لا تعرف النهاية. اليدُ في هذه التجربة هي الجسر الذي يعبر فوق الغموض الساكن في أعماقك، لِيُحوّل تلك الرؤى الضبابية إلى مسارات حيّة، ممتدة، ومتصلة بكيانك. في تلك اللحظة الاستثنائية، يتحرر الخط من كونه مجرد حبرٍ جاف على ورق أصم، ليتجسد نبضاً مرئياً يتدفق بالمعنى، وطريقاً ملكياً يعبر بك نحو ضفاف الوضوح وشواطئ السلام الداخلي.
تذكر دائماً، وأنت تمسك بقلمك، أنك لا تحتاج لأن تكون فنان بالمعنى التقليدي. يكفي أن تكون إنسان يثق في حركة يده. اترك يدك تقودك، ففي مذهبنا الإنساني، اليد لا تخطئ الطريق إلى الحقيقة أبداً.
ختاماً، فإن الرسوم التي زينت جنبات هذا المقال هي نماذج حية خُطت بأيدي باحثين ومتدربين خاضوا رحلة استكشاف الذات عبر برامجنا التدريبية في الفن العصبي، لتكون شاهداً على أن الفن هو أقصر الطرق للسلام الداخلي.
